المنظمة العربية للتنمية الإدارية

منظمة متخصصة منبثقة عن جامعة الدول العربية

المسؤولية الاجتماعية للمنظمات النشأة – المفهوم – المجالات مع تصور استراتيجي للتطبيق بالمنظمات

العودة للإصدارات

المؤلف: د. الرمضي بن قاعد الصقري

الناشر: المنظمة العربية للتنمية الإدارية

تاريخ النشر: 2021

عدد الصفحات: 190

الطبعة: الاولي

مكان النشر: القاهرة

نبذة عن الكتاب

 عندما نتحدث عن المسؤولية الاجتماعية فإن لها جانب اجتماعي وإن تم ممارسته في المؤسسات الاقتصادية فهاك جانب اقتصادي محض خاص بالأرباح والأرقام المالية ومدى تحقيقها، أما المسؤولية الاجتماعية فلها جانب آخر، وإن كان هناك علاقة قوية في تحقيق الجانب الاقتصادي للمنظمات وخصوصا الشركات، وقديمًا قال "أوغست كونت" عالم الاجتماع الشهير: (الغنى وظيفة اجتماعية، والغني موظف في النظام الاجتماعي) (القرضاوي، 1415هـ). وهذا يندرج على رجال الأعمال وكذلك الشركات بحيث لها دور غير مالي سواء داخل إطار عملها أو خارجه. فالمال الذي يتحصل عليه الفرد، لمجتمعه حقّ فيه، ولتحقيق التنمية المستدامة يجب أن يفهم الجميع أن للجميع حقًّا، وأن في أعناق الأفراد والمؤسسات والمنظمات مهما اختلفت مشاربها، وتباينت، لغيرها واجبًا ودورًا تجاه المجتمع لا بد من تأديته.
وكل الدول العربية تواكبت مع أهداف الأمم المتحدة التي تسمي أهداف التنمية المستدامة 2030 ومنها المملكة العربية السعودية التي وعت هذا المعنى مبكرًا، وسبقت في تطبيقه بعضًا من الدول الكبرى، وليس أدل على ذلك من أن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 نصَّت على مبادئ وقضايا المسؤولية الاجتماعية، بل لقد أفردت لها مساحة من الإشارة والتوجيه تدلِّل على شمولها بعناية القيادة السياسية الحكيمة.. وكذلك جمهورية مصر العربية وغيرهم الدول العربية تبنت هذا الاتجاه، وان اختلفت في وتيرة التطبيق والممارسة.
والمسؤولية الاجتماعية كممارسة عرفت منذ القدم وفي كل الحضارات وإن اختلفت طرق العمل على تنفيذها ولكن وجودها عبر التاريخ حتى قبل الميلاد. 
في العصر الحديث مرَّ مُصطلح المسؤولية الاجتماعية Social Responsibility (SR) بعدة مراحل حتى يتشكل بمفهومه المعاصر، ولقد بزغ هذا المصطلح في الغرب، وتحديدًا عام 1923، ونهض إلى جانب عدة مصطلحات باللغة الإنجليزية مثل الاهتمام الاجتماعيSocial Concern، والضمير الاجتماعي Social Conscience، والمشاركة الاجتماعية Social Involvement، والاستجابة الاجتماعية Social Response، بالإضافة إلى مصطلحات أخرى مثل مواطنة الشركات، والعطاء الخيري المؤسسي، وتنمية المجتمع، والمسؤولية المؤسسية.. غير أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية، هو الذي ارتاح إليه الضمير العالمي، فشاع وفشا وانتشر واستقرَّ معبِّرًا عن هذا المجال.
كان هذا المصطلح في البدء يشير إلى الشركات فحسب لأن فلسفة المسؤولية الاجتماعية في البداية تقوم على أنه يجب على الشركات العطاء للمجتمع الذي تعمل فيه، وتدمج الاعتبارات الاجتماعية والبيئة ضمن أهدافها الاقتصادية، ثم توسَّع شيئًا فشيئًا ليشمل معها جميع المنظمات دون استثناء.. ويؤكد ذلك تعريف المنظمة الدولية للمعايير ISO المسؤولية الاجتماعية بأنها (مسؤولية المنظمات عن قراراتها وأنشطتها التي تؤثر على المجتمع والبيئة، من خلال التزامها بالشفافية والسلوك الأخلاقي الذي يجب أن يتَّسق مع التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع)، واعتمدت ISO مصطلح (المسؤولية الاجتماعية) ولكن في الترجمة العربية ترجمة الى المسؤولية الاجتماعية مما سبب لبس لكثير من الباحثين والمتعلمين لهذا المجال.
 وفي نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، أصدرت المنظمة العالمية للمعايير (ISO) دليل إرشادي للمسؤولية الاجتماعية باسم (ISO 26000)، وسلطت الضوء على سبع قضايا أساسية، وهي: الحوكمة المؤسسية، وحقوق الإنسان، وممارسات التشغيل العادلة، وممارسات العمل، وقضايا المستهلك، والبيئة، ومشاركة المجتمع وتنميته (منظمة الآيزو، 2010).
 ويسعى هذا الدليل (ISO 26000) الخاص بالمسؤولية الاجتماعية، إلى تقليل المخاطر من الممارسات، بالإضافة إلى زيادة العائد من الاستثمار، بحيث تكون الممارسات متسقة مع مفهومي التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع، وتضع نصب عينيها أصحاب المصلحة، وأن تكون منسجمة مع جميع القوانين المطبقة والمعايير الدولية للسلوك، بحيث تتكامل وتُمارَس هذه المفاهيم داخل المنشأة المستهدفة.
ومن الجدير بالذكر، أن تأدية المؤسسات للجانب الذي يخصها في المسؤولية الاجتماعية، يسهم في نموها واستمراها على المدى البعيد لأنها تعمل على إيجاد علاقة متوازنة صحية مع كافة الأطراف ذات العلاقة مما يزيد من معدلات الربح، فقد أكدت الدراسات وكثير من الخبراء في المسؤولية الاجتماعية تأثير ذلك على القيمة الاسمية وكذلك الربحية. وقد أشار (أبو النصر، 2015) أن الشركات التي تدمج المسؤولية الاجتماعية في نشاطها وممارساتها، يزيد معدل ربحيتها بنسبة 18% مقارنة بالشركات التي ليس لديها برامج مسؤولية اجتماعية.
ويقول المؤلف الأمريكي (Joe Vitale) حين تحاول مساعدة الناس في الوصول لما يريدون، فإن قانون المنفعة يقول انهم سوف يساعدونك هم أيضًا الى الوصول الى ما تريد. وأرى أن هذه المقولة تنطبق تماما على المسؤولية الاجتماعية في المنظمات باختلاف أهدافها، فالمنظمات سوف تصل الى تحقيق النمو والربح والمنظمات غير الربحية سوف تصل الى الكفاءة والفاعلية في أهدافها. 
والحقيقة أن المسؤولية الاجتماعية لم تغب عن الدول والشركات العالمية والمؤسسات الغربية التي تصرف جانبًا من وقتها وجهدها في التخطيط لمستقبلها، فأصبحت تنظر إلى المسؤولية الاجتماعية بوصفها عامل استثمار، وليس تكلفة.. وهو في الحقيقة كذلك، بل إنه قيمة مضافة، وميزة تنافسية، وربح صافٍ.
هكذا صارت المسؤولية الاجتماعية اليوم معيارًا رئيسيًّا من معايير التميز التي تتفاضل حولها الشركات، وميدانًا من ميادين التنافس، حتى صار نجاح المنظمة يقاس بمقدار ما تسهم به في تطوير العاملين وعلاج البيئة، أو الحفاظ على الموارد، أو تقديم منتجات صديقة للبيئة تتوافق مع حاجات المتعاملين، وكذلك الاهتمام بالشراكة المجتمعية.
انتقلت الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية إذًا إلى قلب التخطيط الاستراتيجي لاستشراف المستقبل لدى الشركات والمؤسسات العالمية، هكذا صارت المسؤولية الاجتماعية مستهدفة في ذاتها، ولأجل ذاتها.
ويمكننا أن نلاحظ بعض المبادرات التي تتبناها كثير من الشركات والمنظمات في وطننا العربي التي تصب في زيادة الإسهام المجتمعي، والوعي بالمسؤولية الاجتماعية.. بالإضافة إلى أخذ بعض المنظمات الحكومية على عاتقها عبء التوعية لبث هذا المفهوم في العالم.
 وبالجملة يمكننا أن نقول إن المسؤولية الاجتماعية للمنظمات اتجاه إداري حديث نسبيًّا تتبناه جميع المنظمات، حكومية كانت أو منظمات قطاع خاص، أو حتى منظمات مجتمع مدني، ويدخل في تحديد ممارساتها لعملياتها، في إطار علاقاتها الداخلية والخارجية، كما تنبني عليه نتائج تتعلق بأصحاب المصلحة، ولها أثر واضح في التنمية المستدامة الكفاءة والفاعلية ومن الربح للمنظمات الربحية. 
وأمَّا المرحلة الحالية فهي مرحلة الشراكة بين قطاع الأعمال وكافة قطاعات المجتمع الأخرى، شراكة في تقاسم المنافع، وتقاسم المخاطر بين كافة أصحاب المصالح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تركز على توازن بين جودة الواقع الحالي والأخذ في الحسبان حاجات أجيال المستقبل، وأن يكون لدى قطاع الأعمال توازن بين الأهداف الاقتصادية والأهداف الاجتماعية والمحافظة على سلامة الكوكب الذي نعيش فيه. وهذا الكتاب يقدِّم ما يمكن تسميته التركيبة الأساسية للمسؤولية الاجتماعية للمنظمات، بحيث يمكن الاستفادة منها في تحقيق مبادئ المسؤولية الاجتماعية، مع الإشارة إلى كيفية التخطيط لها، والنهج الذي يمكن اتباعه لدمجها في استراتيجيات المنظمات.
وقد بسط هذا الكتاب الحديث في المسؤولية الاجتماعية عبر فصول عشرة على النحو التالي: 
حيث تناول الفصل الأول مدخل إلى موضوع المسؤولية الاجتماعية، بينما يقدِّم الفصل الثاني مفهوم المسؤولية الاجتماعية. أما الفصل الثالث فقد تضمن الأسباب التي أدت الى نشأة المسؤولية الاجتماعية وأشار الفصل الرابع الى عرض مواصفة المسؤولية الاجتماعية ISO 2600. وعرج الفصل الخامس الى المسؤولية الاجتماعية في الإسلام، وتطرق الفصل السادس الى أهمية المسؤولية الاجتماعية من المنظور الاجتماعي، أما الفصل السابع فتناول الدور الاستراتيجي الدولي في المسؤولية الاجتماعية. في حين تناول الفصل الثامن مراحل تطور المسؤولية الاجتماعية، بينما ناقش الفصل التاسع أطر وتطبيقات المسؤولية الاجتماعية، أما الفصل العاشر فقد تطرق الى الشراكة المجتمعية في المسؤولية الاجتماعية، بينما عرض الفصل الحادي عشر تصور استراتيجي مقترح لتطبيق المسؤولية الاجتماعية في المنظمات.
وأنا إذ أقدِّم عملي هذا مبتغيًا الجزاء من عند الله، حامده سبحانه على أن أعانني على إخراج هذا الكتاب بالصورة المتوخاة، لأرجو أن يتحقق الهدف منه، وأن يفيد المنظمات والأفراد في وطننا العربي، من أجل الوصول إلى التنمية المستدامة. 
ومصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، فإنني أتقدم بخالص الشكر وجزيل الامتنان لكل من شجعني وساندني ودعم هذا الجهد لإخراج هذا العمل إلى دائرة النور، واخص بالشكر المنظمة العربية للتنمية الإدارية بجامعة الدول العربية وكافة العاملين بها على دعم هذا العمل سائلًا الله أن يوفق الجميع.