استثمار خبرات النخب المتقاعدة

يوما بعد يوم تزداد شريحة المتقاعدين اتساعا، وتعتبر شريحة المتقاعدين من الشرائح المهمة في المجتمع والتي لا تقل أهمية عن شريحة الشباب، فهم يعتبرون كنزا وطنيا؛ نظرا لتراكم الخبرات المهنية والعلمية التي اكتسبوها من خلال سنوات عمل تخللها العديد من التغيرات والتطورات، وما دعاني لكتابة هذا المقال هو ضعف المشاركة المجتمعية لتفعيل دور المتقاعدين، وعدم وجود برامج إستراتيجية لاستثمار خبراتهم، بالإضافة للسلوك السلبي «للبعض منهم» والذي يحتاج لمعالجة عاجلة.

للأسف يُنظر لتلك الفئة بأنهم «فئة غير قادرة على العطاء»، وأنا شخصيا لا أتفق مع هذا الرأي بتاتا؛ لأنه سبب في هدر الكثير من طاقات المتقاعدين، ولكن «المشكلة» التي أراها أنا وغيري الكثير من أفراد المجتمع هي فضاوة البعض من المتقاعدين خاصة من كانوا يشغلون مناصب في جهات معينة قبل التقاعد وتفرغوا بالوقت الحالي للسلبية والانتقادات المتكررة للجهات التي تقاعدوا منها وللمنطقة وللتطور والحياة بشكل عام، وتلك الفئة يمكن أن نطلق عليها فئة «المتقاعسين عن الحياة» أو «المتقاعدين السلبيين» نظرا للسلبية الطاغية على نظراتهم للمجتمع وغيرهم مما يؤثر على صحتهم النفسية قبل أي شيء آخر.

يدور في بالي عدة تساؤلات عندما أتصفح ما يُكتب في أشهر منصة للتواصل الاجتماعي في المملكة «تويتر» من بعض المتقاعدين المعروفين في المنطقة، وللأمانة استغرب من السلبية المفرطة التي تنتهجها تلك الفئة من المتقاعدين والذين اعتبرهم «قلة» حتى لا يصل المفهوم للتعميم، فالبعض منهم تفرغ لتصوير أي مشروع أو شارع لانتقاده بشكل مفرط، والبعض منهم تفرغ لانتقاد أي عمل تقوم به الجهة التي تقاعد منها وكأن «زمانه لن يتكرر»، والبعض تفرغ لكتابة ورسم سيناريوهات للتطوير متغزلا بأيامه تارة ومشككا في من أتى من بعده تارة أخرى، والبعض نراه يكتب تحديات ضد جهات خدمية ويتفاخر بها معتقدا أنها طريق للشهرة حتى لا يتناساه المجتمع، وللأسف تحول هذا السلوك لإدمان سلبي يحتاج لإعادة النظر فيه ومعالجته؛ لأن ما يقومون به هو رسم صورة قاتمة لحياة المتقاعد.

دول عديدة حرصت على الاستفادة من الأفراد المتقاعدين وباهتمام بالغ، فعلى سبيل المثال تم إنشاء هيئات «في ألمانيا واليابان على سبيل المثال» للاهتمام بتلك الفئة والإفادة من خبراتهم المتراكمة، ونحن لدينا نماذج عديدة من المتقاعدين نقف عاجزين عن شكرهم لما قدموه للوطن وللمنطقة، ونقف عاجزين لشكرهم عن النصائح التي يقدمونها لشباب الوطن ودعمهم المستمر لهم، ولذلك أتمنى أن نرى هيئات مناطقية تجمع «النخب المتقاعدة» في المنطقة، وأتمنى أن تكون هناك منصة إلكترونية تجمع سجلات تلك «النخب المتقاعدة» ليسهل الوصول لهم من أصحاب وشباب الأعمال للاستفادة من خبراتهم، وأرى أهمية لتكريم المتقاعدين «الإيجابيين» واعتبره واجبا علينا، وبنفس الوقت أرى أهمية لإيجاد حلول عاجلة لمعالجة «السلبيين» منهم حتى نصل لهدف تحويل المتقاعد إلى عنصر مؤثر في المجتمع بعد تقاعده.

ختاما: وراء كل إنجاز عظيم في هذه الدولة متقاعد أو متقاعدة، ولله الحمد نملك ما لا يملكه غيرنا من «فكر» و «عزيمة» تجعلنا مثالا نموذجيا يحتذى به عالميا في مختلف المجالات، فأتمنى من المتقاعدين «السلبيين» ترك الانتقادات الهدامة خاصة فيما يخص المنطقة، فالكثير وأنا منهم نعتبر تلك الفئة كقدوة لنا نفتخر بها وبعطائها للوطن.

خالد الشنيبر – كاتب إقتصادي

جريدة اليوم – الاحد 2 فبراير 2020


Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث​ المقالات

اقتصاد متفائل

وسط تفاؤل بمؤشرات إيجابية للاقتصاد الوطني في النصف الثاني من العام الحالي، أعلن وزير المالية الأسبوع الماضي في بيان تمهيدي للميزانية العامة للدولة عن تقديرات

تفاصيل »

أمننا السيبراني وتحديث الوعي

قبل أيام قليلة طالعنا خبر اختراق حسابات عسكرية عدة على وسائل التواصل الاجتماعي. الحسابات العسكرية ليست لدولة نامية هنا أو كيانات مهلهلة هناك، الحسابات تابعة

تفاصيل »