الرؤية والتعليم والاستثمار في العنصر البشري

لم تغفل رؤية المملكة 2030 رأس المال البشري، ولهذا ركزت على أهمية الاستثمار في العنصر البشري وأولته أهمية قصوى، لإدراكها أن الرؤية لن تحقق أهدافها إلا إذا توفر العنصر البشري الكفء القادر على القيام بدوره على أكمل وجه، فهو المحور الأساسي في مجمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو أيضا غايتها، ولهذا نلمس تحول الأدبيات الاقتصادية في الوقت الحاضر إلى التركيز على الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره مفتاح التنمية بشتى أنواعها.

إن جوهر الرؤية يركز على مرحلة ما بعد النفط والتخلص من حالة (الإدمان النفطي) كما سماها سمو مهندس الرؤية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، وذلك من أجل ضمان استدامة التنمية والمحافظة على رفاهية المجتمع وعدم الاعتماد على مصدر دخل واحد، وبالتالي ضمان توفير حياة كريمة للمواطن، لقد تطرقت الرؤية في افتتاحيتها إلى أن المملكة تملك كثيرا من البدائل للبترول التي تجعلنا لا نقلقل على مستقبل هذه البلاد، في وطننا وفرة من بدائل الطاقة المتجددة، وفيها ثروات سخية من الذهب والفوسفات واليورانيوم وغيرها. وأهم من هذا كله ثروتنا الأولى التي لا تعادلها ثروة مهما بلغت: «شعب طموح، معظمه من الشباب، هو فخر بلادنا وضمان مستقبلها بعون الله».

نعم ثروة العنصر البشري التي لا تعادلها ثروة، الثروة المستدامة، والاستثمار الحقيقي، وبالتالي فإن الاستثمار في العنصر البشري هو السبيل الوحيد لتحقيق كل التطلعات، وهو السبيل الوحيد لتحقيق الرؤية لأهدافها.

إن الاستثمار في العنصر البشري كان وما زال هو هاجس الدولة منذ تأسيسها، وقد بدأت المملكة في الاستثمار في العنصر البشري من خلال التوسع الرأسي والأفقي في التعليم والتدريب والتطوير، وفي السنوات الأخيرة من خلال افتتاح عشرات الجامعات وابتعاث عشرات الآلاف من الشباب، ليتم إعدادهم وتأهيلهم لخدمة التنمية في وطنهم بعد أن تزودوا بالعلوم والمعارف والمهارات اللازمة للمنافسة في هذا العصر.

ولأن الاستثمار الأمثل في العنصر البشري لا يتحقق إلا من خلال التعليم الكفء، التعليم الفاعل، التعليم الجاد، ولهذا لم تغفل الرؤية هذا البعد، فلقد تضمنت الاهتمام بتطوير التعليم الذي هو المفتاح السحري لأي تطور ونمو وازدهار «سنرسخ القيم الإيجابية في شخصيات أبنائنا عن طريق تطوير المنظومة التعليمية والتربوية بجميع مكوناتها، مما يمكن المدرسة بالتعاون مع الأسرة من تقوية نسيج المجتمع، من خلال إكساب الطالب المعارف والمهارات والسلوكيات الحميدة، ليكون ذا شخصية مستقلة تتصف بروح المبادرة والمثابرة والقيادة، ولديها القدر الكافي من الوعي الذاتي والاجتماعي والثقافي، وسنعمل على استحداث مجموعة كبيرة من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتطوعية والرياضية عبر تمكين المنظومة التعليمية والثقافية والترفيهية».

إن الاستثمار الأمثل في العنصر البشري لا يتم إلا من خلال برامج وحاضنات تعليمية متطورة وذات مستوى جودة عالية تضمن مخرجات تعليمية مؤهلة، فهل لدينا نظام تعليمي قادر على القيام بهذا الدور؟ للأسف ونحن في عام 2020 المؤشرات ليست مشجعة عندما نتحدث بشكل عام عن التعليم، وعندما نضع نصب أعيننا متطلبات الرؤية، وشراسة المنافسة العالمية، وتحديات المرحلة، ولهذا يفترض أن ينصبّ كل اهتمامنا على تطوير التعليم، إصلاح التعليم، تجويد التعليم، سمه ما شئت وإلا سيكون هناك هدر كبير للجهود وللمال، وتأخر واضح في تحقيق الرؤية لأهدافها.

ليس هناك وقت لتكرر الأخطاء السابقة، حيث صرفت الدولة كثيرا وكثيرا على التعليم، ميزانيات هائلة، وجهود كبيرة لتطوير التعليم، ولكن عندما تقيس الأثر فإنك لا تجد شيئا على أرض الواقع يرقى إلى مستوى طموحات الرؤية، العبرة اليوم ليست فيما يصرف على التعليم، ولكن العبرة بعائد ما يصرف على التعليم، العبرة اليوم ليس في الكم ولكن في جودة مستويات مخرجات التعليم، ومقارنتها بالدول المتقدمة في مجال التعليم.

المرحلة تتطلب وقفة حزم وعزم لإصلاح التعليم، مستشعرين حجم المسؤولية، مدركين أن نجاح الرؤية أو فشلها سيكون المسؤول عنه التعليم وليس شيئا آخر، وحتما سيأتي عام 2030 فإذا جاء ووضع التعليم كما هو عليه فسلام على الرؤية، وحينها لا ينفع الندم «فلا حنا كسبنا ولا حنا سلمنا الخسارة».

علي الشعبي – كاتب

جريدة الوطن أون لاين – الخميس 20 فبراير 2020


Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أحدث​ المقالات

الإنسان في قلب الرشاقة الحكومية

الإنسان في قلب الرشاقة الحكومية

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها الإدارة العامة، يتقدّم الحديث عن الهياكل المرنة، والتقنيات الذكية، والنماذج التشغيلية الحديثة بوصفه العنوان الأبرز للرشاقة الحكومية. غير أن

تفاصيل »
استراتيجيات اقتصادية لتعزيز إنجازات البحرين وترسيخ الثقة الاستثمارية

استراتيجيات اقتصادية لتعزيز إنجازات البحرين وترسيخ الثقة الاستثمارية

تواصل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لافتة‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬زخم‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الآنية،‭

تفاصيل »
صناعة المحتوى الرقمي

صناعة المحتوى الرقمي

تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها العالمية في مجال صناعة المحتوى الرقمي، باعتباره أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد الإبداعي وركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة. ويأتي هذا

تفاصيل »