الوظائف .. التفكير الابتكاري والمهارات

يعمل العالم أجمع على فهم التطورات القائمة في خريطة المهن والوظائف المطلوبة في أسواق العمل، ومن أجل ذلك أنشأ المنتدى الاقتصادي العالمي شبكة عالمية من المجالس التي يتركز دورها في تتبع ودراسة وظائف المستقبل وتحفيز التفكير الابتكاري في هذا الشأن. وتشير إحدى دراسات المنتدى الاقتصادي إلى أن جائحة كورونا أفرزت الحاجة إلى ابتكار سريع وجذري في كل من نماذج الأعمال والتشغيل، وأن المستقبل سيكون لأولئك القادرين على إدارة عدم اليقين والابتكار بسرعة. وفي دراسة أخرى تمت على نطاق واسع شملت دولا من أنحاء العالم، أظهرت أن سلاسل القيمة العالمية أصبحت تشكل الوظائف المختلفة، كما أن الاتجاهات التكنولوجية ونماذج التشغيل للشركات العالمية لديها القدرة على تغيير ديناميكيات مشهد التوظيف العالمي بسرعة. وكما يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن الأتمتة تعيد تشكيل العمل والمهارات المطلوبة للعمل بما يجعل الطلب على المهارات المعرفية المتقدمة والمهارات السلوكية الاجتماعية يتزايد بشكل مستمر، بينما يتضاءل الطلب على المهارات الخاصة بالوظيفة الضيقة. وفي الوقت نفسه، يزداد الطلب على المهارات المرتبطة بـ”القدرة على التكيف”، وهذا المزيج من المهارات المعرفية المحددة “التفكير النقدي وحل المشكلات” والمهارات السلوكية الاجتماعية “الإبداع والفضول” يمكن نقلها عبر الوظائف والتعليم الذاتي المستمر وليس التعليم الإلزامي فقط. وفي هذا الاتجاه تظهر المهارات كأهم عنصر من عناصر التوظيف وممكناته، وهذه المهارات الضرورية يقسمها عديد من الدراسات – كما أشرنا – إلى مهارات التفكير التحليلي والابتكار، ومهارات التعلم النشط واستراتيجيات التعلم، ومهارات حل المشكلات المعقدة، كذلك المهارات المتصلة بالتفكير النقدي والتحليل، والإبداع والأصالة والمبادرة، وما لها علاقة بالقيادة والتأثير الاجتماعي، مع استخدام التكنولوجيا والمراقبة والتحكم، وأخيرا تصميم التكنولوجيا والبرمجة. هذه المهارات لم تعد متوافرة بشكلها الكلاسيكي ضمن أطر الكتب المدرسية والمناهج المقررة في الجامعات، بل هي حصيلة من مخرجات التعليم والتعليم الذاتي والتعليم المستمر من خلال التدريب المتواصل، وهذا هو ما يجعل مهارات التعلم النشط واستراتيجيات التعلم، من أهم المهارات التي تتطلبها وظائف المستقبل ويجب أن تتمكن منها المجتمعات القادرة على مقابلة التطورات الكبيرة والمتسارعة التي أفرزتها التحولات الصناعية والتقنية الكبرى التي حدثت خلال العقد الماضي.
بهذا المفهوم من المهارات الضرورية المهمة وفي عالم تقني يتسابق نحو تطوير الذكاء الاصطناعي والتعامل معه، فإن بوصلة التعلم والدراسة والبحث عن التخصصات المناسبة تتحول من التركيز على مجالات الصحة والهندسة والكليات العسكرية والتعليم، نحو تخصصات قادرة على توفير الحد الأدنى من هذه المهارات المشار إليها، لكن هذا يعتمد كما يشير تقرير للبنك الدولي بهذا الخصوص على مدى تأقلم البلدان مع الطلب على تغيير المهارات الوظيفية وعلى مدى سرعة تحولات عرض المهارات، فبينما يستمر العمل وفقا للأساليب والتخصصات القديمة، فإنه من المتوقع أن تعمل نسبة كبيرة من الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس الابتدائية اليوم في مهن ليست موجودة بعد، وهذا يشمل البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتقدم الهند وأوغندا نماذج لذلك، فالوظائف التي يعمل فيها كثير من الناس لم تكن موجودة قبل ثلاثة عقود، حيث أصبح في الهند ما يقرب من أربعة ملايين مطور تطبيقات، ويعمل الناس في أوغندا في مهنة مزارع عضوي معتمد دوليا. فالمهرة من العمال الذين يطورون أدواتهم وخبراتهم الفنية كمعلمين بارعين في تصميم الويب وخبراء في تحليل البيانات الضخمة من المرجح أن يكون الطلب عليهم كبيرا في المستقبل. وتشير الدراسات إلى نمو الطلب على المهارات المعرفية المتقدمة والمهارات السلوكية الاجتماعية والقدرة على التكيف، ففي بوليفيا وكينيا، يؤدي أكثر من 40 في المائة من العمال الذين يستخدمون أجهزة الحاسوب مهام معقدة تتطلب برمجة متقدمة، ويكشف تحليل أسواق العمل في الدنمارك وفرنسا وألمانيا وسلوفاكيا وجنوب إفريقيا وإسبانيا وسويسرا عن أن زيادة انحراف معياري واحد في مهارات حل المشكلات المعقدة ترتبط بزيادة الأجور 10 – 20 في المائة، وفي أرمينيا وجورجيا، تؤدي القدرة على حل المشكلات وتعلم مهارات جديدة إلى علاوة أجور تقارب 20 في المائة. وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أعطى اعتماد التكنولوجيا الرقمية أهمية كبرى للمهارات المعرفية العامة وزاد الطلب على العمال ذوي المهارات الشخصية. في كمبوديا والسلفادور وهندوراس ولاو وماليزيا والفلبين وفيتنام، أبلغ أكثر من نصف الشركات عن نقص في العمال ذوي المهارات السلوكية الاجتماعية المحددة، مثل الالتزام بالعمل.
وإذا كانت الشعوب التي تتسابق في إيجاد مكانة لائقة لها في المستقبل تجد صعوبة في تصور الوظائف المطلوبة، فإن رؤية المملكة 2030 ترسم صورة واضحة المعالم لما سيكون عليه الحال في المملكة، وتنظر إلى التأقلم السريع مع هذه التطورات، ومن هذا المنطلق تتجه الأنظار اليوم إلى تخصصات تولد وظائف تستهدفها الرؤية السعودية في قطاعات تقنية المعلومات، والبيانات والذكاء الاصطناعي، وكذلك المهارات التي تتطلبها الوظائف ذات الصلة بسلاسل الإمداد والنقل واللوجستيات، نظرا إلى أهمية دورها في المرحلة المقبلة عبر الموانئ، والتعدين، والسياحة والترفيه، والطاقة النظيفة والمتجددة، والصناعات العسكرية.

الأقتصادية / 10مايو 2022

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث​ المقالات

نمو متقطع

حققت شركات التكنولوجيا الكبرى عوائد جيدة في أعقاب تفشي جائحة كورونا. فهذا القطاع جاء ضمن نطاق التحولات التي شهدتها قطاعات الخدمات والاستهلاك بفعل هذه الجائحة،

تفاصيل »