الصناعات المتراجعة في العصر الرقمي

تعرف الصناعات المتراجعة Declining Industries على أنها تلك الصناعات التي ينتقل أداؤها من مرحلة النضج، حيث تظل المبيعات ثابتة أو قد ترتفع في بعض الأحيان، إلى فترات متعددة ثم تتراجع تلك المبيعات بعد ذلك. ويعد هذا الانخفاض العلامة الأولى والأكثر وضوحا لتراجع السوق الذي قد يؤدي إلى تبعات أخرى ربما تكون سببا في تعثر الصناعة أو تدهورها أو الإعلان أن السوق ولجت مرحلة التراجع أو التقلص Shrinking Markets. عندما ننظر إلى تكيف الصناعات والشركات وإعادة التفكير في قيمتها السوقية، نجد أن أحد المجالات الذي يتغير بشكل أساس هو الاستراتيجية في العصر الرقمي. ويظل السؤال: كيف نحدد قيمتنا كصناعة أو كعمل تجاري؟ وكيف نغير هذه القيمة حتى لا نتخلف عن الركب بسبب تيارات التغيير التي تقودها التقنيات الرقمية؟ وهل نظل مستعدين للاستمرار نحو النمو والازدهار ونضيف قيما جديدة مع تغير أسواقنا وعملائنا؟

بعض الصناعات جابهت صعوبة في التكيف مع المتغيرات المتتالية السريعة في العصر الرقمي، وقاومت الرغبة ورفضت التغيير وحاولت حقا التمسك بنموذجها التقليدي في إدارة أعمالها لكنها خسرت مجمل أصولها المالية. فعلى سبيل المثال، إحدى الصناعات التي ظهر فيها هذا الأمر بشكل واضح هي صناعة الموسيقى، حيث عانت حقا خسائر هائلة في القيمة على مدى عدد من الأعوام من 1999 إلى 2012، حيث خسرت آنذاك ما يراوح بين 16 و28 مليار دولار سنويا من مبيعاتها في جميع أنحاء العالم. كانت التقنية الرقمية ذات الامتداد MP3 عام 1993 رائجة ضد التسجيل الصوتي في الأشرطة والكاسيت، ثم طورت تقنية جديدة من قبل Moving Picture Experts Group MPEG في إنشاء إصدارات ونسخ رقمية وصور متحركة. وبمجرد انفجار ثورة الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) فعليا عام 1994، بيعت الموسيقى تجاريا بتنسيق رقمي على مواقع إلكترونية، ثم ازدهرت الصناعة لاحقا لتصل إلى متاجر موسيقية على منصات رقمية. لكن الشركات الرائدة في صناعة الموسيقى المسجلة آنذاك لم تنظر إلى أنها فرصة لإنشاء قيمة أو استكشاف عروض جديدة لعملائها. لقد رأوا أنه مجرد تهديد لنموذج أعمالهم الحالي، وبدلا من التوجه نحو الابتكار وإنشاء قيم جديدة للعملاء، عمدوا إلى مقاضاة الشركات التي صنعت الأجهزة أو مشغلات MP3. إن هذا التحدي الذي واجهته صناعة الموسيقى هو ذاته الذي واجهه عديد من الصناعات وستستمر في مواجهته حيث تقود التقنيات الرقمية خصوصا التغيرات السريعة في الأسواق. وعليه، لا يتم التعامل ببساطة مع منافس جديد أو مجابهة حرب أسعار تقليدية، لكنها مع قيم متجددة في الفضاء الرقمي، وهذا ما يقود الصناعة نحو التصدع والتدهور.

حين نجد الصناعة في حالة انكماش سواء في قاعدة العملاء أو المنتجات والخدمات، يجب العمل على التكيف فورا من خلال رسم الاستراتيجية الرقمية. إن أشهر الطرق للخروج من المربع المنكمش هي مصفوفة العالم الرياضي إيجور أنسوف Igor Ansoff، ورغم أن المصفوفة تستخدم في عمليات الاستراتيجية وتخطيط التسويق، إلا أنه بالإمكان الاستفادة منها في نمو الشركات والصناعات. وعليه نرى حقا أن هناك ثلاثة مسارات ممكنة، فالمسار الأول “على المستوى الأفقي” هو الاستمرار في بيع المنتجات أو الخدمات نفسها وبالقيمة نفسها، لكن لعملاء جدد من خلال البحث عن رقعة جغرافية جديدة أو زيادة عدد المشتركين في الخدمة. والمسار الثاني “على المستوى الرأسي” هو البيع للعملاء أنفسهم، لكن البحث عن قيمة جديدة يمكننا تقديمها لهم، ومختلفة عما كانت من قبل. أما المسار الثالث “على المستوى القطري” فهو مزيج من الاثنين من خلال البحث عن تنمية نماذج العمل لإيجاد عملاء جدد، إضافة إلى أنواع قيم جديدة تقدم إلى السوق. وهذا سيرسم مسارا آخر للشركة في السوق المتقلصة في العصر الرقمي لأنها ستدخل في محاور تنافسية جديدة.

من خلال قراءة المسارات الثلاثة للخروج من السوق المتقلصة، يظل السؤال: ما الخيار الأفضل يا ترى؟ يظل الخيار الأول سهلا لكن مع العصر الرقمي سيكون غير سهل إيجاد عملاء جدد ينتظرون المنتجات والخدمات نفسها طوال الوقت إلا إذا كانت الصناعة احتكارية مع أن ذلك لن يخدم الشركة على المدى البعيد. لذلك من غير المرجح أن يكون هذا في حد ذاته عاملا للنمو عندما تكون السوق أو الصناعة في حالة تداع وانهيار. ويشير المسار الثاني إلى استكشاف قيمة أو قيم جديدة تقدم إلى العملاء الحاليين المعروفين جيدا وتعرف احتياجاتهم ومتطلباتهم، وهذا يساعد على نهوض الشركة وازدهارها. لكن من خلال السعي إلى قيم جديدة وعملاء جدد، يظل المسار الثالث هو الأفضل. عندما تطور القيم الجديدة للشركة أو الصناعة، ستقبل على مجموعة أكبر من العملاء الجدد. ومن الضروري ألا تشكل لوائح التشريع والتنظيم عائقا في طريق إيجاد قيم جديدة أو دخول منافسين جدد أو الخروج والدخول في الأسواق، وبالتالي يجب العمل على بث روح المنافسة ورفع كفاءة السوق.

وفي الختام، إن صنع قيمة جديدة هو على الأرجح أفضل وسيلة للخروج والتحرر من قبضة المربع المنكمش. قد يزعزع العصر الرقمي صناعات كثيرة ويشكل تهديدات جديدة، لكنه أيضا يوفر فرصا متنوعة. وإذا كانت ثمة نصيحة مخلصة يمكن أن تقدم في هذا السياق، فهي العمل على مراجعة الاستراتيجية دوريا من أجل الاستدامة والبقاء، والبحث عن قيم جديدة تقدم كمبادرة تجارية محفزة للعملاء الحاليين وسيفتح الباب عندئذ أمام عملاء إضافيين جدد.

أ. د. عصام بن عبدالعزيز العمار

الإقتصادية – 2022

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أحدث​ المقالات

الشرق الأوسط في عام 2022

بالنسبة للشرق الأوسط المثقل بالهموم والأحداث، لم يكن عام 2022 استثنائياً لما سبقه من سنين، لكن أهم حدث هو إعادة الشرق الأوسط لقلب الأحداث الدولية.

تفاصيل »

2023 عام الاستدامة

بعد أشهر معدودة، سيلتقي العالم مرة أخرى في «مدينة إكسبو دبي»، بموقع «إكسبو 2020 دبي»، ليناقش قضية الساعة: التغير المناخي والاحتباس الحراري بقمّة دولية، من

تفاصيل »