برنامج الفحص المهني.. خطوة تأخرت

في الأسبوع الماضي تناقلت وسائل الإعلام عن توجه وزارة العمل لتطبيق برنامج «الفحص المهني» للعمالة الأجنبية بشكل تدريجي، وبحسب ما تم تداوله ستتراوح رسوم البرنامج بين 450 و600 ريال داخلياً، وبين 100 و150 ريالا خارجياً من خلال مراكز سيتم اختيارها وفقاً لمعايير معينة، وكما جرت العادة مع الإعلان عن تطبيق أي برنامج على سوق العمل نجد آراء مختلفة حول ذلك، وفي هذا المقال سأكتب عن وجهة نظري الشخصية عن أهمية هذا التوجه بالرغم من التأخر في تطبيقه.

في البداية، من المهم أن نعترف بأن سوق العمل في المملكة تعتمد تركيبته على العمالة الوافدة، خاصة «متدنية الأجر»، وبشكل أوضح بالإمكان القول إننا في سوق عمل نعتمد على العمالة الوافدة، التي لا تمتلك أي خبرات حقيقية في تخصصاتها بالإضافة لمجموعة من العمالة الوافدة، التي تمتلك مؤهلات مزورة، والسنوات الماضية أثبتت أن سوق العمل استقدم عمالة وافدة بلا خبرات في تخصصات حساسة وأدى ذلك إلى وقوع أخطاء كارثية، وبنفس الوقت كان هناك استقدام عشوائي لعمالة غير ماهرة في تخصصات مختلفة مما أدى إلى ولادة تستر وتكتل في أنشطة ليس من السهل توطينها أو القضاء على التستر فيها، وبسبب ذلك ظلمنا أنفسنا في التركيز على التطور التكنولوجي واستخدام الأتمتة، ولذلك من المهم إعادة تنظيم عمليات الاستقدام حتى لا يتحول سوق العمل السعودي إلى مركز لتدريب العمالة الوافدة «من أموالنا» دون أي إضافات على زيادة التراكم المعرفي الداخلي.

من هذا المنطلق، نجد تحديات كبيرة في ترقية سوق العمل إلى سوق يتميز بوجود تراكم معرفي من خلاله يمكن نقل الخبرات بشكل أكثر مرونة للأيدي العاملة السعودية، وبالرغم من أثر ذلك «مالياً» على سوق العمل إلا أننا في حاجة لتجاوز تلك التحديات كمصلحة عامة، والبعض ينظر لهذا القرار بشكل سلبي بسبب زيادة تكاليف العمالة الوافدة من خلال فرض هذا البرنامج، وهنا أختلف معهم لأن سوق العمل في المملكة أصبح من أكبر الأسواق في تدريب العمالة وبشكل عشوائي وصل لمرحلة أشبه بإقليم تجارب للأسواق الأخرى، ولذلك من المهم أن يتم العمل وبشكل عاجل على تحويل سوق العمل السعودي لمركز للكفاءات إقليمياً بدلاً من تلك العشوائية القديمة المتجددة.

منذ ما يقارب الثلاث سنوات أقر مجلس الوزراء إنشاء ملحقيات عمالية في سبع سفارات سعودية، فدور تلك الملحقيات مهم في هذا الوقت بالتحديد لنجاح تطبيق هذا البرنامج بالإضافة لمساهمته في العديد من البرامج الإصلاحية، التي تعمل عليها وزارة العمل، وما أتمناه هو أن يتم الاستعجال في عملها بشكل فعلي حتى نتفادى الأخطاء، التي تحملناها خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى كوارث في سوق العمل.

من التوجهات المميزة في هذا البرنامج أنه سيقضي بنسبة كبيرة على ظاهرة «بيع التأشيرات»، وبالإضافة لذلك لن يكون هذا البرنامج محصوراً على الفحص المهني من خلال مراكز خارج المملكة فقط، وسيشمل الفحص الداخلي من خلال مراكز معتمدة في المملكة مما يعني مشاركة القطاع الخاص في هذا التوجه، وكوجهة نظر شخصية أرى أنها فرصة لتوليد وظائف عديدة لأيدٍ عاملة سعودية في تلك المراكز وبأرقام ليست ببسيطة في وظائف مميزة، ولكن ما أخشاه أن يتم تحديد أو اعتماد جهة واحدة فقط لتولي تلك المهمة كاحتكار.

ختاماً: بعض القرارات والتوجهات حتى لو كانت مكلفة فينبغي علينا التركيز على إيجابياتها العامة بدلاً من التركيز على الجانب المالي فقط، فالحال الذي مر عليه سوق العمل خلال السنوات الماضية كان مؤسفاً ومعالجته لن تكون بسهولة كما يتخيله العديد من المختصين، ولذلك أنا من المؤيدين لهذا التوجه وبشكل عاجل، وأتمنى أن يشمل مهنًا بشكل أوسع.

خالد الشنيبر – كاتب إقتصادي

جريدة اليوم – الأحد 17 نوفمبر 2019

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث​ المقالات

اقتصاد متفائل

وسط تفاؤل بمؤشرات إيجابية للاقتصاد الوطني في النصف الثاني من العام الحالي، أعلن وزير المالية الأسبوع الماضي في بيان تمهيدي للميزانية العامة للدولة عن تقديرات

تفاصيل »

أمننا السيبراني وتحديث الوعي

قبل أيام قليلة طالعنا خبر اختراق حسابات عسكرية عدة على وسائل التواصل الاجتماعي. الحسابات العسكرية ليست لدولة نامية هنا أو كيانات مهلهلة هناك، الحسابات تابعة

تفاصيل »