في عالم يتسارع فيه التحوّل التشريعي بوصفه أداة أساسية للتنمية المستدامة، تبرز أهمية تحديث القوانين في المجتمع الكويتي كضرورة وطنية لا تقبل التأجيل، فالقانون لم يعد إطاراً جامداً لتنظيم العلاقات فحسب، بل أصبح محركاً للتنمية، وضامناً للاستقرار، وجسراً يربط بين الطموحات الوطنية والمتغيرات العالمية. إن تحديث المنظومة القانونية في المجتمعات، ومنها المجتمع الكويتي، بما يحمله من رؤية إيجابية، يعكس وعي الدولة بأهمية مواكبة التطور والحداثة، ويؤكد التزامها بناء مجتمع متوازن يحقق العدالة، ويحفّز الابتكار، ويعزّز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالقوانين العصرية تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتستجيب لاحتياجات الأجيال الجديدة، وتؤسس لبيئة قانونية مرنة قادرة على استيعاب التغيرات الالكترونية والتكنولوجية والاقتصادية المتسارعة، دون الإخلال بالثوابت الأصيلة والقيم المجتمعية الراسخة، هناك أمثلة لدول تبنت منهج التطوير القانوني وتفوقت، وتُعد سنغافورة نموذجاً عالمياً في ربط تحديث القوانين بالتنمية الاقتصادية، فقد طورت تشريعات الاستثمار، والحوكمة، ومكافحة الفساد، وحماية الملكية الفكرية، مما جعلها من أكثر الدول جذباً لرؤوس الأموال والشركات العالمية، وإن تحديث قوانين العمل والتقنية مكّنتها من التحول إلى مركز مالي، وكذلك نموذج المملكة المتحدة، التي طورت قوانينها الاقتصادية والمالية والتكنولوجية لمواكبة الثورة الرقمية، خصوصاً في مجالات حماية البيانات GDPR، والتكنولوجيا المالية FinTech، والعمل المرن، فهذا التطوير مكّنها من الحفاظ على مكانتها كمركز مالي عالمي، ودعم الابتكار وريادة الأعمال.
تتجلّى الأهمية التنموية لتحديث القوانين في دورها المحوري في دعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل، إذ إن الإطار التشريعي الحديث يشكّل حجر الأساس لجذب الاستثمارات، وتعزيز ريادة الأعمال، وتحفيز القطاع الخاص، وخلق فرص عمل نوعية للشابات والشباب الكويتي، فالقوانين الواضحة والمتطورة ترفع من مستوى الشفافية والحوكمة، وتحد من البيروقراطية، وتسهم في تحسين بيئة الأعمال، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية، كما أن تحديث التشريعات المرتبطة بالتقنية والاقتصاد الرقمي وحماية البيانات والذكاء الاصطناعي والعمل المرن، يعزّز قدرة الكويت على الاندماج في الاقتصاد العالمي بثقة وكفاءة، وفي الجانب الاجتماعي، تسهم القوانين الحديثة في ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق، وتمكين المرأة، وتعزيز المشاركة المدنية، بما يدعم تماسك المجتمع واستقراره، ويؤسس لنهج تنموي شامل، يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتؤكد التجارب الدولية أن تطوير القوانين ليس خياراً عابراً، بل ركيزة تنموية استراتيجية، فالتشريع الحديث هو ما يحوّل الرؤى الاقتصادية إلى واقع، ويمنح المجتمعات القدرة على التكيف مع التحولات العالمية، دون التفريط بالهوية، والمسار الإصلاحي نموذج تشريعي تنموي متوازن يخدم الحاضر ويصنع المستقبل للبلد.
أما على مستوى المستقبل، فإن تحديث القوانين يشكّل استثماراً استراتيجياً في الأجيال القادمة، ويمنح الدولة القدرة على استشراف التحديات والتحولات العالمية المتسارعة، فالقوانين الحديثة تواكب تطور التعليم، وتُحفّز البحث العلمي، وتدعم الابتكار، وتُهيئ بيئة تشريعية مرنة قادرة على احتضان الأفكار الجديدة والمشاريع النوعية، كما تُعزز مكانة الكويت إقليمياً ودولياً بوصفها دولة تحترم سيادة القانون وتجديده، وتتبنى نهج الإصلاح المؤسسي المستدام، إن تحديث القوانين، حين يتم بروح تشاركية وبنهج المصلحة الوطنية، يعد من أولويات التطور التشريعي، وهو تعبير عن حيوية المجتمع وقدرته على التطور دون التفريط بقيمه، والمضي قدماً في تطوير المنظومة التشريعية الكويتية يمثل ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً، ويؤكد أن الكويت قادرة، بإرادتها المؤسسية ورؤيتها التنموية، على مواكبة العالم وصناعة نموذج قانوني تنموي يُحتذى، ويُعد مثالاً للعالم في التطوّر الاجتماعي والاقتصادي المجتمعي.
ودُمتم سالمين،،،
الدكتورة غدير محمد أسيري
القبس دولة الكويت / ديسمبر 2025


