عندما تُخطئ الحكومة في تعريف نفسها الأنسنة كتحوّل جذري في فهم العمل الحكومي

ليست أزمة الإدارة العامة العربية في عصرنا أزمة أدوات، ولا أزمة هياكل، ولا حتى أزمة تشريعات. فالحكومات تمتلك اليوم من النماذج الإدارية، ومؤشرات الأداء، وأنظمة الرقابة، ما لم تمتلكه في أي وقت مضى. ومع ذلك، تتكرر فجوة الثقة، وتتزايد شكاوى المواطنين من قسوة التجربة، لا من غياب الخدمة. هنا تحديدًا يظهر السؤال الأعمق: هل تُخطئ الحكومة أحيانًا في تعريف نفسها؟

نشأت الإدارة الحديثة على عقلانية أداتية واضحة، قوامها الضبط، والتوحيد، والامتثال، والقياس. وقد كان لهذا المنطق فضله التاريخي في ترسيخ الانضباط والحد من التعسف. غير أن هذا المنطق، حين يتحوّل من وسيلة إلى غاية، يُنتج مفارقة صامتة: خدمات تُنجز، ومؤشرات تتحسّن، لكن الإنسان لا يشعر بأن الحكومة تراه.

فالخدمة العامة، حين تُختزل في إجراء، تفقد بعدها الإنساني. وحين يُختزل الإنسان في “حالة” أو “رقم ملف”، تتبدّل العلاقة بينه وبين الحكومة من علاقة اعتراف متبادل إلى علاقة امتثال أحادي. قد تكون القاعدة سليمة، وقد يكون القرار قانونيًا، لكن التجربة قد تكون باردة، أو مربكة، أو مجحفة دون قصد. وهنا، لا يكون الخلل في النص، بل في المنطلق.

الأنسنة، في هذا السياق، ليست تحسينًا تجميليًا لأسلوب تقديم الخدمة، ولا دعوة عاطفية لتلطيف الإجراءات. إنها تحوّل فلسفي في فهم الحكومة لوظيفتها. فالحكومة ليست جهازًا محايدًا يُدير الطلبات، بل فاعلًا قيميًا يتحمّل مسؤولية أخلاقية عن الأثر الذي تخلّفه سياساته وخدماته في حياة الناس.

هذا التحوّل يقتضي إعادة تعريف العقلانية الحكومية ذاتها. فالعقل الأداتي يسأل: كيف نُنجز بأقل كلفة وأعلى سرعة؟ أما العقل القيمي فيضيف سؤالًا سابقًا: لماذا نُنجز؟ ولصالح من؟ وبأي أثر إنساني؟ ليس المقصود إلغاء الكفاءة، بل تحريرها من اختزالها العددي. فالكفاءة التي تُسرّع الخدمة لكنها تُعمّق الإقصاء الرقمي ليست كفاءة كاملة، والإجراء الذي يُغلق الملف لكنه يُضعف الثقة لا يمكن اعتباره نجاحًا مكتملًا.

إن كثيرًا من أزمات الثقة في الإدارة العامة لا تعود إلى فساد صريح أو فشل تنظيمي، بل إلى انفصال بين الأداء والمعنى. قد تُدار المؤسسة بكفاءة تشغيلية عالية، لكن إذا غابت العدالة المُدركة، وتراجع الإحساس بالإنصاف، فإن شرعيتها تتآكل تدريجيًا. فالإنسان لا يقيّم الحكومة فقط بما تنجزه، بل بكيفية إنجازها.

وهنا تبرز مركزية الإنسان في منظومة الخدمة العامة بوصفها ضرورة بنيوية، لا خيارًا أخلاقيًا إضافيًا. فالمنظومات التي تُبنى على افتراض التجانس والتوحيد الكامل قد تبدو منضبطة، لكنها تتجاهل تنوّع السياقات والقدرات والاحتياجات. وتطبيق القاعدة ذاتها على الجميع قد يبدو عادلًا، لكنه قد يُنتج ظلمًا غير مقصود إذا تجاهل الفروق في القدرة على الوصول أو الفهم أو التفاعل.

العدالة الخدمية، في هذا المنظور، لا تعني المساواة الشكلية، بل تعني الاستجابة المنصفة للتنوّع. فالحكومة التي ترى الإنسان بوصفه متغيرًا يجب تكييفه مع النظام، ستنتج نظامًا مغلقًا. أما الحكومة التي ترى النظام وسيلة لخدمة الإنسان، فستبني منظومة أكثر حساسية للسياق وأكثر قدرة على التكيّف.

ومن هنا، يتجاوز نقد النماذج الإدارية اللاإنسانية حدود البيروقراطية الصلبة. فالإشكال لا يقتصر على الجمود الهرمي، بل يمتد إلى النزعة القياسية التي تختزل القيمة في المؤشر، وإلى النزعة المديرياتية التي تستعير منطق السوق دون مساءلة خصوصية الخدمة العامة، وإلى الحوكمة القائمة على الضبط حين تتحوّل من أداة حماية إلى ثقافة شكّ دائم. في جميع هذه النماذج، يُعاد تشكيل الإنسان إما كخطر يجب ضبطه، أو كعميل يجب إرضاؤه، أو كرقم يجب تحسينه. ونادرًا ما يُنظر إليه كغاية بحد ذاته.

الأنسنة، بوصفها منطقًا حاكمًا، لا تعني إلغاء القواعد ولا تمييع المساءلة. بل تعني إعادة ضبط العلاقة بين القاعدة والغاية. فالقانون يُصاغ لحماية الكرامة، لا لاستبدالها. والمؤشر يُستخدم لفهم الأداء، لا لإخفاء ما لا يُقاس بسهولة. والرقابة تُمارس لحماية العدالة، لا لنزع الثقة.

وحين تُفهم الأنسنة بهذا العمق، فإنها تمتد إلى هندسة السياسات والعمليات والواجهات التفاعلية والأدوار المؤسسية. ففي تصميم السياسة، يُسأل عن أثرها الإنساني قبل قابليتها للقياس. وفي تصميم العملية، يُزال التعقيد الذي لا يضيف قيمة عامة. وفي تصميم الواجهة الرقمية، تُراعى القدرة على الفهم والوصول لا فقط كفاءة المعالجة. وفي تصميم الدور الوظيفي، يُمنح الموظف مساحة للحكم المهني المسؤول، لا مجرد مساحة للامتثال.

غير أن الأنسنة نفسها قد تتحوّل إلى شعار فارغ إذا لم تُترجم إلى تغييرات بنيوية. فإدراج مفردات الكرامة والإنصاف في الوثائق لا يكفي ما لم تتغيّر أنظمة التقييم، وآليات الحوافز، وثقافة القيادة. والأسوأ من تجاهل الأنسنة هو تسطيحها، حين تُستخدم لغةً خطابية دون مساس بجوهر المنظومة.

وفي زمن تتسارع فيه الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تتضاعف أهمية هذا التحوّل الفلسفي. فالنظم الذكية قد تُحسن التصنيف، لكنها لا تدرك السياق الأخلاقي. والخوارزميات قد تُسرّع القرار، لكنها لا تُدرك الأثر الرمزي. وكلما زادت قدرة الحكومة التقنية، ازدادت مسؤوليتها القيمية. فالتكنولوجيا بلا بوصلة إنسانية قد تُنتج نظامًا أكثر دقة، لكنه أقل عدالة.

في المحصلة، ليست الأنسنة مشروع تحسين تجربة فحسب، بل مشروع إعادة تعريف الحكومة. الحكومة التي تُقاس فقط بسرعة إنجازها قد تنجح إداريًا، لكنها تخسر معنويًا. أما الحكومة التي تُوازن بين الانضباط والإنصاف، وبين الكفاءة والمعنى، فهي التي تبني شرعية أعمق وثقة أكثر استدامة.

ففي النهاية، لا يتذكّر الإنسان عدد النماذج التي ملأها، ولا سرعة النظام الذي استخدمه، بل يتذكّر كيف شعر وهو يتعامل مع حكومته.
وهناك، في تلك المساحة غير المرئية بين الإجراء والتجربة،
يُختبر جوهر الإدارة العامة…
ويُعاد تعريف معنى الحكومة.

د. كفاية محمد عبد الله
رئيس قسم سياسات الخدمات الحكومية
هيئة الخدمة والإدارة العامة
المملكة الأردنية الهاشمية
16 فبراير 2026

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أحدث​ المقالات

الإنسان في قلب الرشاقة الحكومية

الإنسان في قلب الرشاقة الحكومية

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها الإدارة العامة، يتقدّم الحديث عن الهياكل المرنة، والتقنيات الذكية، والنماذج التشغيلية الحديثة بوصفه العنوان الأبرز للرشاقة الحكومية. غير أن

تفاصيل »
استراتيجيات اقتصادية لتعزيز إنجازات البحرين وترسيخ الثقة الاستثمارية

استراتيجيات اقتصادية لتعزيز إنجازات البحرين وترسيخ الثقة الاستثمارية

تواصل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لافتة‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬زخم‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحلول‭ ‬الآنية،‭

تفاصيل »